حواراتسينما

جعفر قاسم … فيلم هليوبوليس طفلي الصغير و سأرافقه حتى يشق طريقه

كما سبق ووعدناكم سنستكمل الحوار الذي خصنا به المخرج السينمائي جعفر قاسم وفي هذا الشق سنتناول موضوع الفيلم السينمائي هيليوبوليس فقراءة ممتعة.

تقطن عائلة زناتى في مزرعتها العائلية الكبيرة ببلدة هيليوبوليس التي بناها المستعمر الفرنسي وسط حقول خصبة في الشرق الجزائري.

ربى سي مقداد ابنيه محفوظ ونجمة على القيم الإسلامية دون التفريط في الثقافة الغربية حيث كان يحلم برؤيتهما يلعبان دورا مهما في الجزائر الفرنسية التي كان يؤمن بها لكن نشوب الحرب العالمية الثانية أحدث اختلالا في هذا التوازن.

في الواقع لقد غيرت هزيمة فرنسا أمام ألمانيا النازية موازين القوى في الجزائر حيث انها سمحت للحركة الوطنية الجزائرية التي كانت ضعيفة ومحتشمة ان تكشر عن أنيابها.

 توترت الوضعية وتعقدت على الجميع حتى على عائلة زناتي حيث أن الابن الأكبر محفوظ الحاصل على الباكالوريا بالجزائر العاصمة بدأ ينساق إلى خطاب فرحات عباس الذي يقود النضال السياسي من أجل إلغاء قانون الأهالي وتحقيق المساواة بينما تنجذب نجمة الى فكر جديد هي الأخرى من خلال اختلاطها بأخيها والرجل الذي تحبه وهو بشير ووصلت الى مقاربة جديدة تتسع فيها الجزائر للجميع.

أما سي مقداد فقد وجد نفسه مجبرا على مواكبة التاريخ وجعله شاهدا مرغما على مجازر لم يفلح في منع حدوثها.

كانت هذه نبذة عن قصة فيلم هيليوبوليس للمخرج السينمائي جعفر قاسم. وفيما يلي سنعرض عليكم بطاقة فنية للفيلم حتى تفهم عزيزي القارئ مدى احترافية هذا العمل.

بالنسبة للتوزيع والاعتمادات فالإخراج لجعفر قاسم اما كتابة السيناريو فتعود الى الثلاثي صلاح الدين شيحاني جعفر قاسم وكهينة محمد اوسعيد. أما عن الكاست المشارك في العمل فقد تم اختياره بدقة واعتمد فيه على ممثلين من الجزائر وفرنسا ومنهم عزيز بوكروني مهدي رمضاني سهيلة معلم الكسي رانغار مراد اوجيت فضيل عسول مصطفى لعريبي الى اخره من الممثلين الذين أبدعوا في المسرح والتلفزيون والسينما.

كل من تابع الفيلم خلال العرض المخصص بالصحافة قد لاحظ جمال الصورة ودقة اختيار الألبسة التي تعود الى سنوات الأربعينيات من القرن الماضي وقد اعتمد المخرج في هذا على خبرات من أوروبا.

أما عن مكان تصوير الفيلم فقد اعتمد فريق العمل على مستثمرات فلاحية تشبه إلى حد بعيد تلك التي تركها المستعمر و هذا بولاية عين تموشنت و تحديدا بالمالح كانت في حالة رثة فاضطر المخرج الى إعادة ترميمها لتبدو في الحالة المناسبة للحقبة التي تدور اثناءها الأحداث .

دي زاد بيبول : فيلم هيليوبوليس قصة ابن مع ابيه. لماذا؟

ج.ق : أولا قبل الحديث عن الفيلم سنعود قليلا الى الوراء فقد كانت تراودني فكرة كتابة قصة عن الحقبة الاستعمارية الفرنسية وقد توصلت الى ملاحظة وهي أن أحداث الثامن ماي 1945 كانت أحداثا مصيرية في تاريخنا فاعتبارا من ذلك التاريخ غير الجزائريون فكرة النضال المدني ووجوب التوجه الى الكفاح المسلح. فيلمي لا يتكلم عن الاحداث بحد ذاتها بل يعود بنا الى الوراء عند بداية الحرب العالمية الثانية اردت وصف حالة الجزائري بعد مئة وعشر سنين من الاحتلال لم تكن هنالك بعد فكرة اندلاع الثورة اخترت عائلة خيالية وقمت بإسقاطها على أحداث حقيقية. عائلة زناتى كانت عائلة ابن القائد الذي يعيش حياة ترف اختيارية ومغايرة لما كان يعيشه المسلمون الجزائريون آنذاك.

استغرقت مني مدة كتابة السيناريو سنتين لأنني أردت التدقيق على تفاصيل التاريخ الذي بيدنا وحدنا ترسيخه فلن ننتظر من فرنسا تمجيد تاريخنا.

تعتمد فلسفتي السينمائية على الخيال ايمانا مني انها هي من توصلنا الى الحقيقة او حتى توقع جزء منها.

ببساطة سلطت الضوء على مشكلة الابن مع أبيه تشبيها لواقع مشكلة المسلمين الجزائريين مع المعمر الفرنسي واضفت اليها بهارات جمالية ومكملة وكانت من وحي واقع كان معاشا آنذاك.

دي زاد بيبول : بماذا يتميز هيليوبوليس عن باقي الأفلام الثورية التي أنتجت من قبل في الجزائر؟

ج. ق : انتهجت منهجا مغايرا تماما شخصيات خيالية تمثل واقعا معاشا جعلت الكاميرا تقترب من أدق التفاصيل دون القاء الحكم على أحد وكأنني اتبعت منطق الأحداث فمن يتابع الفيلم منذ بدايته لن يتوقع ابدا النهاية لأنني حرصت على عامل التشويق في كل المشاهد. جعلت من الإنسانية العامل المشترك الوحيد ما بين الممثلين وأستطيع القول إن المشاهد سيفصل وحده بين الشر والخير دون ان نلعب دور الضحية ندع الجميع يعرف الصح من الغلط.

دي زاد بيبول : حسب مصادرنا جعفر قاسم بكى اثناء تصوير أحد المشاهد متى ولماذا بالضبط ذاك المشهد؟

ج.ق : صراحة كان مشهد إعدام. كما سبق وذكرت هذا الفيلم هو طفلي الذي اردت ان اعرفه على الجمهور الجزائري عند كتابة السيناريو وصلت الى 20 نسخة مختلفة عن بعضها عشته حرفا بحرف وعند التصوير وبعد عناء طويل حقا لو لم تكن هناك كاميرا لظننت انني أعيش اللحظة. هنا تحديدا تغلبت الإنسانية على كل القوى عندما ترى أبا يركع امام العدو حتى يحمي ابنه ويتلفظ بأقسى العبارات المهينة لذاته من أجل ابنه حقا احسست ان فيلمي سينجح لأنني تأثرت كثيرا تغلبت الإنسانية عن الوطنية التي تنبثق في الأصل منها اردت تصوير مشهد عاشه الجزائريون حقيقة بعد مجازر 8 ماي 1945 وتحديدا عند سواحل سكيكدة عندما جمع العدو عشرة الاف جزائري ومارس عليهم أقسى أنواع الاحتقار والذل ودائما أعود الى فكرة تصوير الخيال عن طريق الواقع.

دي زاد بيبول : كان الجمهور على موعد مع العرض الشرفي لكن بسبب الجائحة أجل العرض فمتى سيكون العرض الرسمي واين وصلت التحضيرات لعرض ملف هيليوبوليس على طاولة الاوسكار؟

ج.ق : مع الأسف الجائحة حالت دون عرضه انشاء الله ستكون هنالك فرصة أخرى. الفيلم عرض على لجنة اختيار الأفلام الجزائرية وعلى رأسها محمد لخضر حامينه رئيس اللجنة الجزائرية لأكاديمية الأوسكار بالولايات المتحدة الأمريكية لكن المشكلة أكبر فحتى يصل الفيلم الى اللائحة القصيرة عليه ان يمر بعدة مراحل منها الحملة الإعلامية والاعلانية بالولايات المتحدة الامريكية إضافة على وجوب عرضه بقاعة السينما هنا بالجزائر في رأيي هذا شبه مستحيل حاليا ولذي احبذ تأجيل اشتراكه إلى العام القادم واتحمل كل العواقب مع الأسف لأنني لا اريد للفيلم ان يمر مرور الكرام.

دي زاد بيبول : السينما الجزائرية دخلت حجرا فنيا منذ سنوات في رأيك ماهي الحلول التي كان من المفترض أن يقوم بها القائمون على القطاع؟

ج.ق : حقا دخلنا حجرا فنيا غير منته لكن ان الأوان لأن تتعرض السينما الى صعقة كهربائية قوية تفيقها من سباتها العميق انا ضد فكرة الكمية في السينما أفضل إنتاج فيلم واحد كامل على أن يكون هناك العشرات دون فائدة. مشكلتنا ابعد التمويل التوزيع قاعات السينما التكوين الخروج من سياسة الإنتاج التنفيذي و خلق سياسة الإنتاج الحقيقي مع الخواص و مع الأجانب فمن غير المعقول ان تبقى الدولة هي المنتج الوحيد إضافة الى تكاثف الجهود ما بين كل القطاعات و على مستوى كل التراب الوطني فلا يجب ربط الصناعة السينماتوغرافية بوزارة الثقافة فقط يجب العمل على خلق اقتصاد موجه للسينما مع منح تسهيلات للشركات على مستوى الضرائب و هذا بشكل عام يجب وضع أشخاص مناسبين لبناء قطاع يمثل حلقة وصل بين كل القطاعات يجب التوغل الى عمق المشكلة و ان نبتعد عن المشاكل السطحية التي في حد ذاتها تمثل عائقا حقيقيا أمام انقاد الجندي رايان كما يقول عنوان الفيلم الأمريكي .

دي زاد بيبول : ما رأيك فيمن يقول إن جعفر قاسم يملك مشعل النهوض بالصناعة السينماتوغرافية؟

ج.ق : قبل كل شيء هذا شرف لي رغم انه ضغط كبير وحمل ثقيل لكن اليد الواحدة لا تصفق هذا عمل فريق كامل ويتطلب منا سنوات عمل يجب أن نفرض السينما أمام السياسة يجب أن يصبح هذا المجال من الضروريات لا من الكماليات لبناء اقتصاد الوطن.

يتبع المقال في الجزء المخصص لعاشور العاشر 3 قراءة ممتعة للجميع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

ADBLOCK يرجى إلغاء تنشيط مانع الإعلانات الخاص بك